محمد محمد أبو موسى

270

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

والزمخشري يعتمد في تفسير الكلمة على خبرته اللغوية واحاطته بمفردات اللغة ومعانيها وعلى فقه الأساليب وادراك المقامات التي تجرى فيها الكلمة وتكون فيها معروفة مشهورة ، ثم على ذوقه الذي يقبل ويرفض ، وله في هذا الكلمة العليا . يقول في قوله تعالى : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ » : « فان قلت : هلا فسرت « عفا » ب « ترك » حتى يكون « شئ » في معنى المفعول به ؟ قلت : لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس يثبت ولكن اعفاءه ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « واعفوا اللحى » . فان قلت : فقد ثبت قولهم : عفا أثره ، إذا محاه وأزاله ، فهلا جعلتم معناه : فمن محى له من أخيه شئ ؟ قلت : عبارة قلقة في مكانها والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها » « 42 » . وقد يشير في تفسير الكلمة إلى مدلولها الحسى ويربط بين هذا المدلول وبين المراد منها ، وحسه في هذا دقيق بالغ ، يقول في قوله تعالى : « مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ » « 43 » : « ومعنى « مُذَبْذَبِينَ » ذبذبهم الشيطان والهوى بين الايمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون ، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يزاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد كما قيل : فلان يرمى به الرحوان ، الا أن الذبذبة فيها تكرار ليس في الذب ، كان المعنى : كلما مال إلى جنب ذب عنه » « 44 » . وقد يتتبع الزمخشري الكلمة في معجم القرآن الكريم ويحدد دلالتها في ضوء هذا التتبع ويرفض أن يكون المراد منها معنى آخر وان أقرته اللغة ، وهذا لفت قديم إلى وجوب النظر في ألفاظ القرآن

--> ( 42 ) الكشاف ج 1 ص 167 ( 43 ) النساء : 143 ( 44 ) الكشاف ج 1 ص 449